مركز الشهاب الدعوي

مركز سلفي على منهاج النبوة

قسم الإعلانات والأخبار

آخر الأخبار

قسم الإعلانات والأخبار
قسم البطاقات والمطويات
جاري التحميل ...

الشَّوق إلى رؤية النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام 💢 د.عبد الرزاق البدر

#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 الشَّوق إلى رؤية النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام
💢 د.عبد الرزاق البدر
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط نسخة بدف

👇👇👇

من يطالع شمائل خير الورى وسيرة سيِّد الأوَّلين والآخرين أكمل عبادِ الله عبادةً وأزكاهُم سيرةً وأرفَعُهم خُلُقًا، وأطيبُهم نفسًا، وأحسنُهم معاملةً، وأعظمُهم معرفةً بالله عز وجل وتحقيقًا لعبوديَّته؛ فلا شكَّ أنَّ الشَّوق يعظُمُ إلى الظَّفر برؤية صاحب هذه الشَّمائل، المخصوص بأجمل الصِّفات في هيئته البهيَّة، وطلعتِه الجميلة، ومُحيَّاه المُشـرق، وصفاته العالية الرَّفيعة ـ صلواتُ الله وسلامُه عليه ـ، وقد صحَّ عنه ﷺ كما في «صحيح مسلم»(1) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّه ﷺ قال: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» أي: يقدِّمُ أهلَه ومالَه في سبيل أن يَرى النَّبيَّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ لشدَّة شوقِه وعظَمِ رغبتِه وحرصِه على ذلك، ولا شكَّ أنَّ المسلمَ ينبغي أن تقُوم هذه الرَّغبةُ في قلبه، وهذا الشَّوقُ لرؤيته وللاجتماع به ﷺ في جنَّاتِ النَّعيم.
ولا يكون هذا مجرَّد أمانيّ، أو خوضًا باطلاً في هذا الباب كبعض أهل الطَّرائق الباطلة، الَّذين يدَّعون دعاوى زائفَة لا أصلَ لها ولا أساسَ، تجرُّهم إلى ركامٍ من الخرافات والبدع والضَّلالات.
بل الواجبُ أن يكون هذا الشَّوقُ دافعًا للمرءِ إلى التَّأسِّي به والاتِّباع لنهجه وسلوك طريقه ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، وكثرة ذِكره ﷺ وقراءةِ أحاديثِه والصَّلاة والسَّلام عليه ﷺ؛ ولهذا لمَّا قال له أحدُ الصَّحابة: يا رسُول الله أسألُك مرافقَتَك في الجنَّة، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»(2) أي: عليكَ بطاعة الله، ولزُوم عبادته، فالأمر ليس مجرَّد أماني، وليس الإيمانُ بالتَّمنِّي ولا بالتَّحلِّي ولكنَّ الإيمانَ ما وقَر في القَلب، وصدَّقته الأعمال.
قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ في كتابه «جلاء الأفهام»(3): «العبد كلَّما أكثَر مِن ذِكر المحبُوب واستِحضارِه في قلبه، واستِحضار محاسنِه ومعانيه الجالبة لحبِّه تضاعفَ حبُّه له، وتزايَدَ شوقُه إليه، واستَولى على جميع قلبه، وإذا أعرضَ عن ذكره وإخطاره وإخطار محاسِنه بقلبه نقَصَ حبُّه مِن قلبه، ولا شيءَ أقرُّ لعَين المحبِّ من رؤية محبوبه، ولا أقرَّ لقَلبه مِن ذكره وإخطاره محاسنه، إذا قوِي هذا في قلبه جرى لسانُه بمدحه والثَّناء عليه وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحبِّ ونقصانه في قلبه» اهـ.
وذِكْرُ النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ يكونُ بذكر مناقبه وشَمائله الكَريمة وصفاته الحميدَة وأخلاقِه وآدابه وهديه وسنَّتِه وسيرتِه، لتزداد القلوبُ محبَّةً له وليزداد العبدُ حرصًا على اتِّباعه والسَّير على منهاجه ﷺ، وعلى العبد في هذا الباب وغيره أن يحرصَ على الأخذ بالأحاديث الصَّحيحة الثَّابتة عن النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، وأن يلزمَ نهج الصَّحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ أهل الاعتدال والقَوَام والوسطيَّة والخيريَّة؛ فيتلقَّى منهُم ما وصفُوا به النَّبيَّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، ولا يتجاوزه لا بغلوٍّ ولا بجفَاء، ولا بإفراط ولا بتفريط، بل يكونُ في هذا الباب قوامًا عدلاً وسطًا.
وهذا بابٌ خطير للغاية والحذر في هذا الباب يجب أن يكون من جهتين:
الأولى جهة التَّفريط، فلا يجفو الإنسانُ في حقِّ النَّبيِّ ﷺ، والجفاء كلُّه مذموم، ولهذا الجفاء صُورٌ عديدةٌ، ومظاهر متنوِّعةٌ:

💢 فمن مظاهر الجفاء وصُوَره: ضعفُ محبَّتِه ﷺ في القُلوب، وتقديمُ محبَّةِ دنيا زائلةٍ، وأهواءٍ زائفةٍ، وملذَّاتٍ فانيةٍ على محبَّتِه ﷺ، وقَد قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «فَوَالَّذي نَفْسـِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعين»(4)، وجاء في «صحيح البخاري»(5): «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، ولمعرفة هذا الضَّعف يمتَحنُ المرءُ نفسَه في ضوء قَول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [آل عمران: 31].

💢 ومن مظاهر الجفاء: الإعراضُ عن سنَّته الغرَّاء، ومحجََّتِه البيضاء، وهَديه القَويم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، والانصرافُ عن ذلك بانشغالٍ بآراءٍ باطلةٍ، وأهواءٍ فاسدةٍ، ونحوِ ذلك من أمورٍ صرفت النَّاس عن سنَّة النَّبيِّ الكريم ﷺ وهديه القَويم.

💢 ومن مظاهر الجفاء: عدم تعظيم أحاديث رسُول الله ﷺ، فتلقى أحاديثُه ﷺ المنِيفَة وكلماتُه الشَّريفَة في بعض المجالس فلا يكونُ لها هيبةٌ، ولا يُرفع لها رأسٌ، ولا تُعرَف لها مكانةٌ، بل إنََّها تُمَرُّ كأحاديث غيره ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، بل ويُعترض عليها بـ (لِـمَ، ولكِن، وكيفَ...)، ونحو ذلِك من الاعتراضات، فأين التَّعظيم لهذا الرَّسول الكريم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ؟! وأين المعرفة بقَدره ﷺ إذا كان حديثُه ـ شأنه عند النَّاس ـ كأحاديثِ غيرِه، وقَد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى * إنْ هو إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 ـ 4].

💢 ومن صُور الجفاء: الانصراف عن قراءةِ سيرتِه المباركة وأخبارِه الشَّـريفةِ المجيدة ﷺ؛ فإنَّ سيرتَه هي أزكَى سيرة على الإطلاق لأفضلِ وأكملِ العبادِ سريرةً؛ إنَّها سيرةُ سيِّد ولدِ آدم ﷺ، فتَرى في النَّاس مَن هُو مُعرِضٌ عن هذه السِّيرةِ المجيدةِ العَطرةِ، منشغلٌ بقراءة سيَرِ تافهينَ لا قيمةَ لهم، ولا وزنَ في عزِّ الأمََّةِ ورقيِّها، بل وفي قراءةِ سِيَر أقوام لا خَلاقَ لهم عند الله ـ تبارك وتعالى ـ، فتَمضـي أوقاتٌ وتُزهق ساعاتٌ في قراءة سيَرٍ لا قيمةَ لها، مع غفلةٍ تامَّةٍ، وإعراضٍ شديدٍ عن سيرةِ سيِّد ولَد آدم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، فلاشكَّ أنَّ هذا من الجفاءِ في حقِّه وعدمِ المعرفة بقَدره ومكانَته ـ صلواتُ الله وسلامه وبركاتُه عليه ـ.

💢 ومن مظاهر الجفاء الشَّنيعةِ: الإقبال على البدعِ المُحدَثات والأهواءِ المختَرعات، وتعظيمُها، والذَّبُّ عنها، والاستدلالُ لها؛ في مقابلِ إعراضٍ عمَّا جاء عن الرَّسول الكريم ﷺ، وقد صحَّ الحديثُ عنه ﷺ أنَّه قال: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(6)، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(7)، وكانَ إذا خطب النَّاس يوم الجمعة يقول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «أمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»( 8 ).

💢 ومن صور الجفاءِ في حقِّ النَّبيِّ الكريم ﷺ: عدم العناية بالصَّلاة والسَّلام عليه، ولاسيما عند ذكره، وقد صحَّ الحديث عنه في «مسند الإمام أحمد»(9) وغيره أنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ قال: «البَخِيل مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»، اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ، وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم؛ إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ، وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم؛ إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وكفى في هذا الباب قولُ ربِّنا ـ جلَّ شأنُه ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، صلوات الله وسلامه عليه.

💢 ومن صُور الجفاء في حقِّ نبيِّنا الكريم ـ صلوات الله وسلامُه عليه ـ: انتِقاصُ مقام أصحابه الكرام، وتابعيهم بإحسان، وأئمَّة الحقِّ والهدى من حمَلَةِ السُّنَّة، وأنصار دين الله ـ تبارك وتعالى ـ؛ فإنَّ الانتقاصَ لأقدار هؤلاء مِن الجفاء في حقِّ النَّبيِّ الكريم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ.
ونسألُ الله ـ عز وجل ـ أن يعمر قلوبَنا أجمعين بمحبَّة نبيِّنا ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وبمعرفة قَدره العَظيم ومقامِه الشَّريف ومكانتِه المُنيفَةِ ﷺ، وأن يُعيذنا أجمعين من مظاهر الجفاءِ، وصورهِ العَديدة.
والثَّانية جهة الإفراط: فلا يغلو أيضًا في حقِّه ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ بأن يضيف إليه من خصائص الرَّبِّ، أو أوصافه، أو حقوقه ـ جلَّ وعلا ـ؛ فإنَّ هذا كلَّه لا يرضاه ـ صلواتُ الله وسلامُه عليه ـ، والغلوُّ والإطراء كلُّه مذموم، نهى عنه النَّبيُّ ﷺ في أحاديث كثيرةٍ، قال ﷺ: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ»(10)، وقال ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ»(11)، ولمَّا سمع قومًا يقولون: أنت سيِّدُنا وابنُ سيِّدنا، قال: «لا يَسْتَجْريَنَّكُم الشَّيْطانُ»(12).
ولهذا كان ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ يسدُّ الذَّرائع، ويحمي حمى الدِّين ويحوط جنابَه، وكان إذا سمع إطراءً له أو تجاوزًا للحدِّ في الثَّناء عليه ينهى عن ذلك؛ فإنَّه ﷺ لمَّا سمع رجلاً يقول: ما شاءَ الله وشئتَ، غضبَ، وقال: «بَل مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»(13)، وسمع امرأةً تقول: 
«وفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ»
فغضب وقال: «مَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ الله»(14).
فإطراؤه ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، والغلوُّ في مدحه أمرٌ منهيٌّ عنه، بل إنَّ الخائض فيه تُردُّ أعمالُه عليه ويبوء بإثم المُخالفَة؛ لأنَّ بابَ الثَّناء والمدح قَد يأتي فيه الإنسانُ بمدائح صحيحةٍ، وإذا زادَ في الأمر ربَّما استَجراه الشَّيطانُ إلى أن يأتي بمدائح فيها غلوٌّ وإطراءٌ ومجاوزةٌ للحدِّ، وقَد يكون الدَّافعَ إلى ذلكَ الحبُّ وإرادةُ الخير؛ ولكن ليس كلُّ مَن أرادَ الخير أدركَه، وليس كلُّ مَن بنى عمَلَه على الحبِّ يُصيب القَوام والسَّداد ما لم يزُمَّ هذا الحبَّ بزمام الشَّرع. 
وبعضُ النَّاس ـ فعلا ـ وقعوا في هذا البَاب في مخالفاتٍ شنيعةٍ، فأخذ بعضُهم يضيفُ إلى النَّبيِّ ﷺ أوصافًا لا تليق إلاَّ بالرَّبِّ ـ جلَّ وعَلا ـ، وقَد قرأتُ مرَّةً لأحدهم يُثني على النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ في أبياتٍ منَ الشِّعر صدَّرها بقوله: 
هو الأوَّل والآخر محمَّد 💢 هو الـظَّاهر والـباطن محمَّـد
مع أنَّ هذا القائل لو قرأ السُّنَّة لوجَد أنَّ النَّبيَّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ كما في حديث أبي هريرة كلَّما أوى إلى فراشه لينام قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ»(15).
وآخر يقول في إطرائه للنَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ وغلوِّه فيه:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به 💢 سواك عند حلـول الحـادِث العمـمِ
وإنَّ مِن جُـودك الدُّنيا وضــرَّتهــا 💢 وإنَّ مِن علـومـك عـلمَ اللَّوح والقَلم
وكلُّ ذلكم من الخطأ البيِّن، والغلط الواضح، والإطراء المنهيِّ عنه في أحاديث صحيحةٍ، ولو أنَّ هذا القائل قال مخاطبًا ربَّ العالمين: 
يا خالق الخلق ما لي مـن ألــوذ بـه 💢 ســـواك عند حلول الحادِث العممِ
وإنَّ مِن جُودك الدُّنــيــا وضـــرَّتهــا 💢 وإنَّ مِن علومك علمَ اللَّوح والقَلـم
لكان هذا من تمام التَّوحيد والإيمان، فلا يصحُّ أن تُضاف أوصافُ الرَّبِّ العظيم، وخصائص الخالق الجليل إلى أحدٍ كائنًا من كان، ونبيُّنا ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ نفسه لا يرضَى بذلك ويغضبُ أشدَّ الغضب منه، وإذا سمع أحدًا يضيف إليه شيئًا من خصائص الرَّبِّ غضب أشدَّ الغَضب، فينبغي على المسلم أن يحرص في هذا الباب أن لا تحمله عاطفتُه الجيَّاشة، وحبُّه للثَّناء على النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ أن يغلَط فيصف النَّبيَّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ بما هو من أوصاف الله عز وجل.
ثمَّ إنَّ من ابتلوا بالغلوِّ فيه ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، والإطْراء يصفون من لا يشاركهم في هذا الغلوِّ بأنَّه جافٍ في حقِّ النَّبيِّ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ.
والحقُّ أنَّ من أنار اللهُ بصيرتَه وسدَّد رأيَه ووفَّقه لإصابة السُّنَّة والهدي القوام، يكون في هذا الباب عدلاً وسطًا: 
وخــيـــــــار الأمــــــــور أوســــاطـــهــــا 💢 لا تـــــفـــريـــطُـــهــا ولا إفـــراطــــهـــا
فلا يجفو في حقِّه ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ فهو أكرم عباد الله وأفضلهم، وهو سيِّد ولد آدم ﷺ وقدوتهم، وحقُّه على الأمَّة حقٌّ عظيمٌ، ولا يغلو فيه فإنَّ الغلو مسلكٌ خطيرٌ ذميمٌ.
بل على العبد مع الحبِّ الـشَّديد في قلبه والخير الَّذي يطمح إليه ويريد بلوغه أن يسدِّد ذلك بلزوم السُّنَّة والموافقة لهدي النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، وأن لا يجرَّه هذا إلى الجنوح إلى شيءٍ من تلك المخالفات والأهواء والبدع المحْدَثات، فيجني بذلك على نفسه.
وأيضًا فيما يتعلَّقُ بالشَّوق إلى رؤية النَّبي ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ جاء في «الصَّحيح»(16) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ﷺ ـ يخاطب الصَّحابة ـ: «وَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ» ـ يخاطب الصَّحابة ـ: «وَلا يَرَانِي، ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي، أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ»، قال النَّووي معلِّقا تعليقًا مفيدًا: «ومقصود الحديث حثُّهم على ملازمة مجلسه الكريم، ومشاهدته حضـرًا وسفرًا للتَّأدُّب بآدابه وتعلُّم الشَّـرائع وحفظها ليبلِّغوها، وإعلامهم أنَّهم سيندمون على ما فرَّطوا فيه من الزِّيادة من مشاهدته وملازمته»(17).
والشَّاهد أنَّ هذا الشَّوق إلى رؤيته ينبغي أن يكون من ورائه عملٌ جادٌّ في معرفة هديه وآدابه وأخلاقه ومعاملاته، ليأتسَّى به ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، وكلَّما كان العبدُ أحرص على السُّنَّة، وعلى هدي النَّبي ﷺ، وعلى التَّأدُّب بآدابه وأخلاقه كان أقرب إليه منزلةً، وقد قال ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ: «إن من أحبِّكم وأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا»(18)، فكلَّما كان العبدُ حريصًا على الإيمان والسُّنَّة والاتِّباع، والبعد عن البدع والأهواء كان ذلك أدعى وأحرى ـ بإذن الله عز وجل ـ أن يفوز برؤية النَّبيِّ ـ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ، وأن يحظى بمجاورته في جنَّات النَّعيم.
نسأل الله جل وعلا أن يوفِّقنا لاتِّباع سنَّة نبيِّنا الكريم ﷺ، وأن يحشرنا معه، وتحت لوائه، وأن يجمعنا به في جنَّات النَّعيم؛ إنَّه ـ تبارك وتعالى ـ جوادٌ كريمٌ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم، وبارَك وأنعَم على عبده ورسوله، نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.

💢 💢 💢
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رقم (2832). 
(2) مسلم (489) من حديث ربيعة بن كعب ـ رضي الله عنه ـ. 
(3) (ص525).
(4) أخرجه البخاري (14، 15)، ومسلم (44).
(5) برقم (6632).
(6) أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401).
(7) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
( 8 ) أخرجه مسلم (867).
(9) رقم (1736).
(10) البخاري (3445).
(11) النَّسائي (3057)، وابن ماجه (3029).
(12) أبو داود (4806).
(13) أحمد (1964).
(14) البخاري (4001) ، وابن ماجه (1897) واللفظ له، من حديث الربيع بنت معوذ ـ رضي الله عنها ـ.
(15) أحمد (9247) ومسلم (2713).
(16) أخرجه مسلم (2364).
(17) «شرح النَّووي على صحيح مسلم» (15/118).
(18) أخرجه الترمذي في «جامعه» (2018).

عن الكاتب

أبو الحارث عماد بعلول شاب سلفي من مواليد 1995 أحب السنة وأهل السنة والجماعة

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

جميع الحقوق محفوظة

مركز الشهاب الدعوي

المشرف العام: أبو الحارث عماد بعلول